الجاحظ

78

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

العالم الكبير ، لأنه يصور بيديه كل صورة ، ويحكي بفمه كل حكاية ، ولأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم ، ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وإن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالا . وإنما تهيأ وأمكن الحاكية لجميع مخارج الأمم ، لما أعطى اللّه الإنسان من الاستطاعة والتمكين ، وحين فضله على جمع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة . بطول استعمال التكلف ذلت جوارحه لذلك . ومتى ترك شمائله على حالها ، ولسانه على سجيته ، كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه . وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ ، وصور الحركات والسكون . فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم . ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا ولو أقام في عليا تميم ، وفي سفلى قيس ، وبين عجز هوازن ، خمسين عاما . وكذلك النبطي القح ، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط ، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا ، فإذا أراد أن يقول زورق قال سورق ، ويجعل العين همزة ، فإذا أراد أن يقول مشمعل ، قال مشمئل . والنخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول ناعمة ، وتقول شمس ، ثلاث مرات متواليات . والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور : منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا ، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج « 1 » ، المسترخي الحنك ، المرتفع اللثة ، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم ، ومن ينشأ من العرب مع العجم ، فمن اللكن ممن كان خطيبا ، أو شاعرا ، أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى أبو أمامة ، وهو زياد الأعجم . قال أبو عبيدة : كان ينشد قوله : فتى زاده السلطان في الود رفعة * إذا غير السلطان كل خليل

--> ( 1 ) الماج : الهرم الذي يمج ريقه ولا يستطيع حبسه .